الشيخ الصدوق
384
من لا يحضره الفقيه
ثم أقبل ( عليه السلام ) على الشيخ فقال : يا شيخ إن الله عز وجل خلق خلفا ضيق الدنيا عليهم نظرا لهم فزهدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام التي دعاهم إليها وصبروا على ضيق المعيشة وصبروا على المكروه ، واشتاقوا إلى ما عند الله عز وجل من الكرامة ، فبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة فلقوا الله عز وجل وهو عنهم راض وعلموا أن الموت سبيل من مضى ومن بقي ، فتزودوا لآخرتهم غير الذهب والفضة ، ولبسوا الخشن ، وصبروا على البلوى ( 1 ) ، وقدموا الفضل ، وأحبوا في الله وأبغضوا في الله عز وجل ، أولئك المصابيح ، وأهل النعيم في الآخرة والسلام . قال الشيخ : فأين أذهب وأدع الجنة وأنا أراها وأرى أهلها معك يا أمير المؤمنين جهزني بقوة أتقوى بها على عدوك ، فأعطاه أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سلاحا وحمله وكان في الحرب بين يدي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يضرب قدما ( 2 ) وأمير المؤمنين عليه السلام يعجب مما يصنع ، فلما اشتد الحرب أقدم فرسه حتى قتل رحمة الله عليه وأتبعه رجل من أصحاب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فوجده صريعا ووجد دابته ووجد سيفه في ذراعه ، فلما انقضت الحرب أتى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بدابته وسلاحه وصلى عليه أمير المؤمنين عليه السلام وقال : هذا والله السعيد حقا ، فترحموا على أخيكم " . 5834 وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في وصيته لابنه محمد بن الحنفية رضي الله عنه : " يا بنى إياك والاتكال على الأماني فإنها بضائع النوكى ( 3 ) وتثبيط عن
--> ( 1 ) في بعض النسخ " على الطوى " أي الجوع ( 2 ) بضمتين أي شجاعا : أو لم يحول وجهه عن الحرب . ( 3 ) الاتكال : الاعتماد ، والأماني جمع الأمنية وهي التمنيات الباطلة أكاذيب الشيطان ، ولعل المراد تسويف التوبة ، والنوكي - بالفتح كسكرى - جمع أنوك أي الأحمق ، والنوك - بالضم والفتح - الحمق أي الحمقى ليس لهم رأس مال الا أكاذيب الشيطان فإنه يقول أخر التوبة إلى آخر العمر ، ولا يدرى الضعيف ولا يعلم أنه لعله في آخر ساعاته ، والتثبيط : التعويق .